الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
45
مرآة الحقائق
فحق النعيم إنما هو لذي الظل ، الا فذوقوا من هذا المذاق حتى لا تجدوا الحسرة يوم التلاقي ، واللّه الخلّاق والرزّاق . وقال اللّه سبحانه : فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 209 ] . اعلم أن الزّلل ؛ إمّا زلل في الشريعة ، وإمّا زلل في الطريقة .
--> - المتحصّل من اجتماع الأجزاء التي منها تركّب ذلك المزاج كان ما كان ، فتقتضي تلك الهيئة ظهور النفس في الصورة المتحصلة من تلك الهيئة ، وذلك الاجتماع ، وصفة الصورة بحسب نسبة الصفة الغالبة على الإنسان حين مفارقة هذه النشأة . فيظهر بعضهم في البرزخ ؛ بل وبرهة من زمان الحشر في صورة أسد وذيخ وطير ؛ كما ورد في الشرّ ، وشهد بصحته الكشف والتعريف الإلهي ، وليس بالمسخ والتناسخ المستنكر ، فإن القائلين بذلك زاعمون أنه في الدنيا ، وهذا إنما هو في البرازخ بعد الموت ، فافهم . ومن غلبت عليه الأحكام الروحانية وإفراط إعراضه عن هذه الدار وهذه النشأة ؛ كالشهداء المقبلين في سبيل اللّه للجهاد بطيب قلب ، وصحة إيمان ؛ تظهر نفوسهم في صور طيور روحانية ؛ كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تعلّق من ثمر الجنّة تأوي إلى قناديل تحت العرش » . وورد في المعنى في الحديث الصحيح : إن في غزوة أحد قال بعض الصحابة لبعضهم معاتبا له : « أتقعد عن جنة عرضها السّماوات والأرض ، واللّه إني لأجد ريحها دون أحد » . وهذا من بكرة نور الإيمان ، وفرط استفراغ الهمّة حال التوجّه مع الإعراض التام عن هذه النشأة وهذه الدار ، واستشهد صاحب هذا القول يومه ذلك رضي اللّه عنه . والمتوسطون من الأولياء المفرطين في الانقطاع عن الخلق والمجاهدات البدنية أيضا كذلك ، وأما الكمّل فإنهم لا ينحرفون إلى طرف من الوسائط ، بل يوفون كل مرتبة حقها ؛ فمنهم تامّون في عالم الطبيعة ، وتامّون في الحضرات الروحية ؛ كربّهم سبحانه الذي أعطى كلّ شيء خلقه ، فلا تغلب عليهم الطبيعة ولا الروحانية . ومن سواهم ؛ إمّا : « مغلوب الروحانية ، مستهلك الطبيعة » . وإما : « مغلوب الطبيعة المستهلك قواه الروحانية في عرصة طبيعته » ؛ كما هو حال جمهور الناس . و « الكمّل المقرّبون في حاق الوسط » ؛ برازخ بين الطبائع والأرواح ؛ بل بين المرتبة الإلهية والكونية ، فافهم . وأما الباقيان من النشآت : فأحدهما : « النشأة الحشرية » . وثانيهما : « النشأة الاستقرارية في إحدى الدارين » . وانظر : النفحات الإلهية ( ص 93 ) بتحقيقنا .